محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وجمعه بينكم بأخوة الإسلام . وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يقول : ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم وباشتغالكم بهذا الميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم ، وعن الصلاة التي فرضها عليكم ربكم . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يقول : فهل أنتم منتهون عن شرب هذه ، والمياسرة بهذا ، وعاملون بما أمركم به ربكم من أداء ما فرض عليكم من الصلاة لأوقاتها ، ولزوم ذكره الذي به نجح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم . واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية ، فقال بعضهم : نزلت بسبب كان من عمر بن الخطاب ، وهو أنه ذكر مكروه عاقبة شربها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأل الله تحريمها . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا قال : فنزلت الآية التي في البقرة : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قال : فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في النساء : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ قال : وكان منادي النبي صلى الله عليه وسلم ينادي إذا حضرت الصلاة : لا يقربن الصلاة السكران قال : فدعي عمر ، فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا قال : فنزلت الآية التي في المائدة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فلما انتهى إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر : انتهينا انتهينا حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : ثنا أبي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فإنها تذهب بالعقل والمال ثم ذكر نحو حديث وكيع . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن زكريا ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : قال عمر بن الخطاب : اللهم بين لنا فذكر نحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب ، مثله . حدثنا هناد ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب ، مثله . حدثنا هناد ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثني أبو معشر المدني ، عن محمد بن قيس ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الناس ، وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوه عن ذلك ، فأنزل الله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فقالوا : هذا شيء قد جاء فيه رخصة ، نأكل الميسر ونشرب الخمر ، ونستغفر من ذلك . حتى أتى رجل صلاة المغرب ، فجعل يقرأ : قل يا أيها الكافرون ، أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد . فجعل لا يجود ذلك ولا يدري ما يقرأ ، فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها ، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون . فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقالوا : انتهينا يا رب وقال آخرون : نزلت هذه الآية بسبب سعد بن أبي وقاص ، وذلك أنه كان لاحى رجلا على شراب لهما ، فضربه صاحبه بلحي جمل ، ففزر أنفه ، فنزلت فيهما . ذكر الرواية بذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة عن سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد ، أنه قال : صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا قال : فشربنا الخمر حتى انتشينا ، فتفاخرت الأنصار وقريش ، فقالت الأنصار : نحن أفضل منكم . قال : فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره ، فكان سعد أفزر الأنف . قال : فنزلت هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخر الآية . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد ، قال : قال سعد : شربت مع قوم من الأنصار ، فضربت رجلا منهم الأنصار أظن بفك جمل فكسرته ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فلم ألبث أن نزل تحريم الخمر :